لماذا لا أقاطع

(Photo source: stream.aljazeera.com)

دعوت احد الأصدقاء يوماً الى كوب من القهوة، واختار هو المقهى كالعادة، ولكنه لم يختر المقهى الذي يختاره عادة. فذاك المقهى اصبح منبوذا بسبب المقاطعة. على كراسي هذا المقهى الجديد ونحن نشرب قهوة لا يختلف طعمها التجاري او سعرها الخيالي عن المقهى القديم، سألت صديقي بشيء من السذاجة المصطنعة: “لماذا تقاطع؟” فأجاب بحفاوة قائلاً: “أنا أقاطع الخونة، بعد ان حرقوا البلد وقطعوا الطريق وقتلوا الابرياء، أنا اقاطعهم لأن هذا واجبي، وهو اضعف الايمان.”

من بين كل المواضيع التي ناقشتها عن البحرين، وجدت موضوع المقاطعة يحتل المرتبة الاولى من حيث ارتباط الناس به وشدة مشاعرهم، فقد اصبح امراً مسلماً به وفاق في جديته اي نقاشات اخرى عن محاكم او تطورات سياسة او قضايا محلية. واصبح التحدث عنه باية طريقة سلبية وسيلة أكيدة ليتم ضم اسمك الى لائحة الخونة، فهو أمرلا يقبل النقاش. وحتى عندما دعا صاحب السمو ولي العهد في خطابه في الاسبوع الماضي الى التوقف عنه، رد الكثيرون مبررين قوله كمجرد مجاملة للتجار، و تطاول آخرون وهاجموه على ما قال، ثم زادوا من نداءاتهم للمقاطعة بعكس ما أراد.

هذه ردة فعل أتفهمها، وتعصب طبيعي لرأي قائم منذ فترة طويلة. المقاطعة وجدت من حاجة غريزية في نفوسنا للتحرك والدفاع عن الوطن بأية وسيلة. فالاحداث التي مرت بالبحرين تركت اثرها في النفوس، ولم يكن هناك منفس لهذه الآلام سوى الانضمام لأية حركة يُقنع بها المرء لنفسه انه يساهم في درء الضرر ويعاقب من تسبب به لكي لا يتكرر.

ومن منطلق هذه الحاجة كانت المقاطعة اسهل طرق الرد، فمقاطعة محل لا تتطلب مجهودا اضافياً سوى البحث عن تاجر بديل. ولا تحتاج خبرة في السياسة او التكنولوجيا او القتال، ويقدر عليها الصغير والكبير حتى وهو يطلب العشاء من منزله، ولا تتطلب صرف الاموال بل تؤدي حتى الى توفيرها.

رغم احترامي لمن قرر ان يقاطع لأنها حرية شخصية وافضل بكثير من اعمال اخرى سلبية، ولكني شخصياً لم اقتنع بأسبابها او نتائجها. ومع اني اعلم ان هذا قد لا يغير رأي احد، إلا إني اردت سرد هذه الأسباب.

لماذا لا اقاطع:

اولاً: التعميم الشامل والظالم للكثيرين.

فقد اصبحت الوسيلة الاولى للمقاطعة هي متابعة لائحات ترسل من مجهولين. تحتوي هذه الرسائل على اسماء المئات من المحلات التي اختيرت بسبب طائفة صاحبها فقط ، متجاهلين مدى وكيفية تورط صاحب العمل او عدمه.

ولا استغرب ذلك، فكيف لنا ان نكتب لائحة باسماء خونة ونحن لا نعلم ما بنفوس الغير؟ فكان الحل التعميم على الطائفة. ومما زاد الطين بلة ان الكثيرين من التجار استغلوا هذا وأضافوا انفسهم الى قائمة البدلاء الشرفاء ووضعوا منافسيهم زوراً في قوائم العار بلا حسيب ولا رقيب.

ثانياً: عدم إثبات التهمة واستصغار مدى خطورة التخوين.

فاتهام التاجر اصبح لا يحتاج الى اكثر من إشاعة مبتكرة، او اضافة اسم الى لائحة ثم بثها الى الغير. اما الأدلة الحقيقية فغائبة، ان لم يكن الحصول عليها مستحيلاً. قبل ان نتهم التاجر بصرف ارباحه في جرائم ضد الوطن، وجب علينا امانة تدقيق دفاتر حساباته، ومتابعة سير أمواله، ثم ايجاد شهود على ذلك وربطه بقوانين تسنّ على ان ما فعله جريمة. انها عملية طويلة ومعقدة يستحيل ان يقوم بها احد، فاكتفينا بالافتراضات والقيل والقال لتسمية الشخص خائناً ومقاطعته، مما يضع مصداقية المقاطعة بأكبرها تحت التساؤل.

ثالثا: خطورة تطبيق القانون والقصاص من قبل الافراد.

فحتى ان ثبتت تهمة على شخص، فان تطبيق القانون مهمة الدولة وليس الافراد. وقد يقول البعض ان المقاطعة عمل فردي لا ينطبق عليه مصطلح العقاب، ويتعلل آخرون بأن الدولة قصرّت في تطبيق القانون، ولكن هذه الأعذار تفتح باباً خطيراً يدخلنا في متاهات النزوات الفردية وقوانين الغاب. لا يمكن الرد على خطأ بخطأ آخر وان اخذتنا مشاعرنا وحماستنا للدفاع عن الوطن، او عللناها بانها افعال بسيطة ، لكن تبقى الفكرة ذاتها والخطورة في ان نقرر الجريمة وحكمها وقصاصها بهوانا.

رابعاً: الضرر العام على التجارة قبل التاجر.

فمن منطلق تجاري بحت، المقاطعة لا تسبب خسارة مباشرة، بل تبدأ بتقليل المدخول. ولكي يوازن التاجر الربح يبدأ بتقليل المصاريف، فيتضرر عامل شريف لا دخل له ثم مؤجر ثم وكيل. وبعد ان عمّ الضرر على الكثيرين من الابرياء، هنا قد يغلق التاجر محله قبل ان تصيبه اية خسارة، بعد ان خسر غيره لقمة عيشهم دون ان يكونوا مستهدَفين.

خامساً وأخيراً: الضرر العام على الاقتصاد.

إقتصاد البحرين لا يسير على اساس طائفة او آراء سياسية، فجميع التجار مرتبطون مع بعضهم بطرق غير مباشرة. كل تاجر يستورد من آخر، ويصدِّر ويوزع على تجار آخرين في نظام مرتبط ومتداخل ومعقد. ولهذا فإن أية محاولة بإطاحة ضرر في تاجر واحد ستمتد الى غيره لا محالة، وترجع الى الافراد بطريقة عكسية حين يتأثر الاقتصاد.

ومن يعتقد ان هذا لن يحدث لأن المقاطعة تدعم تجارة الشرفاء كبديل يجب ان يتذكر ان الاقتصاد لا ينتعش من شراء السلع الاساسية ذات البدائل بل من السلع الاختيارية التي لن يلتفت لها المستهلك او يبحث عن بديلها.

من سخرية هذه النقطة قصة عن تاجر اعرفه شخصياً. ذكر لي يوماً ان تجارته انتعشت بعد ان وجد الناس اسم منافسه الرئيسي على لائحة الخونة، وتمت اضافته على قائمة الشرفاء كبديل. ولكن ما لم يعرفه المشترون هو انه يشتري جميع بضاعته من منافسه التاجر الخائن ويبيعها بمحله الشريف بسعر اغلى، فاستفادوا هما الاثنان والناس تعتقد انها تقوم بعمل هادف.

هذه أسبابي، وان لم أصب فيها كلها يكفيني ان يكون احدها صحيحاً ليقنعني بالتوقف. وانا متأكد من وجود آراء مضادة لن الوم احداً عليها، فأنا ايضاً متعصب لوجهة نظري ولن اغيرها. ولست ابحث عن نقاش غير مثمر في الموضوع، فحتى ولي العهد لم يسلم من الشتائم. ولا استبعد ان اقرأ غداً مقالاً يرد على مقالي بعنوان “لماذا يجب ان نقاطع” فهذا نقاش لا مفر منه وان لم ارى منه هدفاً.

ولكن في الختام ولكي اكون صريحاً مع نفسي ومع القاريء، هناك سبب آخر لم اذكره، لأنه ليس سبباً منطقياً بل مجرد مشاعر…

انه نتيجة احساس داخلي بأن المقاطعة عمل سلبي يجعلنا نضع اعداءاً في الحياة، والعداء يمنع التقدم المشترك. ان المقاطعة حركة مليئة بمشاعر الكراهية ضد غيرنا، وأرى اننا عشنا ما يكفي من الكراهية والالم دون تقدم، وآن الأوان لأن نقوم بعكس ذلك.

الاعمال في الحياة نوعان، اما بناء او هدم. وعلى الرغم من ان الهدم قد يكون ضرورياً احياناً، فإني افضل البناء ان امكن. لقد مرّت البحرين بالكثير من الهدم، واصبحنا في موقف لا نحسد عليه يحتاج الآن الى البناء اكثر من اي وقت مضى.

أنا لا اقاطع احداً، بعد ان رأيت مقدار الكراهية والألم الذي وصلنا اليه دون اي تقدم يذكر على مدى أشهر طويلة، على امل ان تكون هذه خطوة تساعد في اخراجنا من هذه الحلقة المفرغة التي مازلنا بها. لا استطيع ان اغير ماحدث في السابق ولا استطيع ان اغير من احداث كبيرة تحدث الان، ولكني استطيع ان ابدأ ولو قليلاً جداً بالبناء. أنا لا اقاطع لأن هذا واجبي، وهو اضعف الايمان.

إحسان الكوهجي
12 اكتوبر 2011

8 Responses to لماذا لا أقاطع

  1. Ghassan Mussayab 20 October 2011 at 4:14 am #

    I wish everyone will understand that we have micro economy and most business in Bahrain are linked to each other in some way or another
    And it’s totally wrong to generalize this boycott just because they come from a specific sect

  2. Alia Almoayed 20 October 2011 at 5:15 am #

    صح لسانك يا اخ احسان.! مقال يبعث الامل، واسلوب كتابة رائع

  3. Alia Almoayed 20 October 2011 at 5:20 am #

    And thank you Suhail for giving a voice to the ‘moderates’. That’s exactly what we need at this time 🙂

  4. Ahmed 20 October 2011 at 7:28 am #

    Great post Ehsan! Your heart is in the right place. I was speaking with a friend yesterday who said that his son wanted to go to a certain place to eat, but he did not want to take him there in case any of his clients or colleagues saw him. He is boycotting out of fear, not even out of belief! But still even though he was telling me it was crazy, he still did it. He wanted me to say it is OK.

    We need to change this mentality because in a society like Bahrain we are all connected. Hurting one section will end up hurting us all. Also what is the difference between boycotting a sectarian business and a country deciding not to do business with Bahrain because of our problems? The punishment cycle will keep repeating if we reinforce it.

  5. Ehsan 20 October 2011 at 9:38 am #

    Thank you Alia, and of course thank you Sohail for hosting this and encouraging more people to be heard.

    Thanks Ahmed, that’s exactly one of the reasons I was compelled to speak up. Maybe this small move will make a difference and maybe it won’t, but at least we can say we tried.

  6. Hussain 20 October 2011 at 1:07 pm #

    Please post it everywhere let the nation of this country to wake up! your article is simple and straightforward i wish everyone read and digest! please do more of it…

    Many thanks…

  7. Alya 3 November 2011 at 9:41 pm #

    Thank you for this post Ehsan, as always you’re levelheaded and rational. I may be a bit late in reading this but i have a question or perhaps a topic for your next post:
    (1) What are the reasons for this boycott? There are many but I would say the lack of interdependent economic relationships between the two sects. (2) How can you transform this aspect of our conflict? I have done some work on conflict transformation and one of the ways to transform a conflict is to build economic ties between the people. Simply, we tend to get into less conflicts with others when we are economically dependent and it gives us a way to understand and relate to the other party. This was the basis for transforming the WW2 conflict in the EU. They started the European Iron and Steel Community.

    I don’t know if this is the ‘fix’ given that the boycott is only a symptom and not the cause. But i can see a few initiatives that Bahrain can implement that will ‘spark the light’ for reconciliation.

  8. نهلة 4 November 2011 at 10:45 am #

    أنا قاطعت لأني رأيت بنفسي كيف احترقت البحرين . قاطعت التجار الذين دعموا الدوار بالملايين . وأعلم جيدا من الذي أطاح بالاقتصاد ، كبار رجالات الدولة سحبت أموالها من البنوك في بداية الأزمة. ولا أستطيع أن أجامل أحدا من التجار الذين حرقوا البلاد لمصالح سياسية . أعلم ان الدولة ستتأثر ، ولكن ألم نتألم نحن! لقد رأيت الموت بعيني ، وعشت في قلق وصدمة ، من أناس نعرفهم نحبهم ، ولكنهم كانوا يحفرون لنا قبرا جماعيا ، لم أكن في يوم طائفية ، ولدي حتى الآن أصدقاء من طائفة أخرى يكنون لي الحب لأني لم أتغير . ولكن من حقي أن اختار لمن ادفع له ثمن مشترياتي. ومن حقي أن أعيش حياة أختارها أنا لا تختارها لي الحكومة أو المعارضة. أنا ضد الطائفية وضد الظلم حتى ولو كان من أبناء طائفتي. أنا بحرينية أولا واخيرا.

Leave a Reply

%d bloggers like this: